أيها المعلم الذي في أخاديد القلب صداك

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أيها المعلم الذي في أخاديد القلب صداك

مُساهمة من طرف نزار في الخميس يونيو 19, 2008 4:12 pm



أيها المعلم الذي في أخاديد القلب صداك
التاريخ: الخميس 20 آذار 2008


كنا
صغاراً ، في الصف الخامس الابتدائي ، وقتما أدركنا أنّ أستاذنا الجديد في
السنة الدراسية الجديدة - في أواخر ستينات القرن العشرين - هو ذاك الشاب
الوسيم ( الأبيضاني ) الطويل القامة ، وكان نحيفاً رشيقاً ، يتميز بشعره (
المخوتم ) الجميل ، الذي لم يكن في قريتنا شعرأحد مثله .


وكالعادة في ذاك الزمان ، كنا نخاف من المعلم ونتحاشاه ، أكثر مما نخاف
ونتحاشى المخابرات في هذه الأيام ، فبدأنا نمارس الخوف والحذر من هذا
الأستاذ الذي يبدو ( غير شكل ) فهو مريحٌ ، وكان يبدو لطيفاً ، ولكننا نحن
كان لابدّ من أنْ نخافه ، دون أي سبب إلا لأنه أستاذنا .. وحسب .

أذكر
تماماً في الحصة الأولى وقتما دخل علينا لأوّل مرّة ، دخل باسماً ، غير
أنّنا لم نَرَ البسمة وقتها ، وكان علينا أن نتعامل معه كأيّ أستاذ ، فإن
كان لاشيء يبرر الخوف بعد ، فإنّ أي شيء آخر لايمكن أن يبرر لنا عدم
الحذر، فما أن دخل حتى هببنا جميعاً هبّةً واحدة ، ووقفنا باستعدادٍ ،
مشدودي الظهر والأكتاف خلف مقاعدنا الدراسية ، اقترب من أوّل مقعد ، وراح
يتأمّلنا ، دون أنْ تُفارق الابتسامة وجهه ، ثمّ قال لنا :

مرحبا ياشباب ..!

ياإلهي
.. ماهذا ..؟! .. أُستاذ .. ومرحبا .. وياشباب أيضاً .. وكل هذا وهو يبتسم
؟!! .. هل يُعقل أن يكون هذا النعيمُ كله دفعةً واحدة ..؟!

لقد
أصابتنا الدهشة فعلاً ، وأذكر أنَّ فرحة غامرة قد اعترت كياني ، وشعرتُ
بأنني أحلم ، عيوننا شاخصة إليه ، وبقيت شاخصة وقتما قال لنا : تفضّلوا
استريحوا .. !! ماهذا ..؟! تفضّلوا أيضاً ، واستريحوا ، بالعادة كنّا
ننتظر في مثل هذه الأحوال ، أوامر بالقعود ، قبل أنْ يُقطَّبَ الجبين
جيداً ، ويُظهرُ لنا الأستاذ عينه الحمراء كي لانفلَتْ ، وكي لانتجرّأ على
التفكير بأي حال من أحوال الفوضى أو الشغب ، غير أنّ هذا الأستاذ الجديد ،
ومنذ اللحظة الأولى لتعاطيه معنا ، راح يغيّرُ شيئاً فينا ، ويقلبُ
مفاهيمنا ، ويستبدل مداركنا الغضّة ، ويضعنا أمام ثقافة أستاذيّةٍ جديدة .

ماإنْ
جلسنا .. حتى راح ينظر بعضنا إلى بعضنا الآخر باندهاش شديد ، والبعض منّا
صار يحاول أنْ يخفي ضحكات في أعماقه ، فيما البعض الآخر لم يستطيعوا ذلك ،
فخرجت ضحكاتهم تقهقه ، وهم ( يطبّونَ ) رؤوسهم على المقاعد .


تجوّل
الأستاذ بيننا في ممرَّي المقاعد ، بهدوء وابتسام أيضاً ، وكأنّه كان
يُحاول أنْ يُهدِّء من روعنا ، ويزيدنا ألفة إليه ، ثم وقف أمامنا وقال :

(
كيفكُنْ ياشباب ) قلنا له بارتياح : منيحين الحمدالله .. فقال : (أنا أسمي
محمد علي صالح ، جئتُ لأعلمكم هذا العام ، وأتمنى أنْ تكونوا أوادم
وكويسين وشاطرين ، وتكتبوا وظائفكم منيح ، وتسألوني عن أي شيء بيخطرلكم ،
من دون أي خجل أو تردّد ، وبعدين بدي اياكم أشطر شي بهالمدرسة .. موافقين
..؟ )

قلنا له بارتياح : ( إينَعَمْ .. موافقين )

قال
الأستاذ محمد : (الآن كل واحد منكم بدورو بيوقف وبيقلّي شو أسمو ، منشان
نتعرّف على بعض) .. وأومأ باسماً لمن كان في المقعد الأول بابتسامته
الجميلة ، وبدأت الأسماء تتردد :

أحمد صالح - سليمان مقصود -
جابر حمودي – آسيا علي – فايزة أحمد – محمد البشلاوي – علي جميل علي -
محمد حبيب صالح – جميل زيدان – هدى محمد - نادر عبود - غيث صالح – عدي علي
– زهير محمد – قيس علي – عبدالله ونوس - علي جديد ... وإلى آخر ماهنالك من
هؤلاء الأحباء الأعزاء ، الذين فرقتنا الأيام ، فمنّا من قضى نحبه - كغيث
، رحمه الله - ومنّا من طار يغرّد في فضاءات هذه الحياة ، ليصير طبيباً أو
مهندساً ، أو صحفياً ، أوفنياً ، أو موظفاً .

ماأذكره أنني
وقتما قدّمتُ إسمي للأستاذ محمد ، انتبه إليّ جيداً ، واقترب نحو مقعدي ،
وزاد الابتسامة أكثر ، ثم قال لي : إبن مَنْ أنت ..؟ فارتبكتُ وفرحت ، ثم
قلتُ له : إبن محمود أحمِد جديد ، فَرَبَتَ على كتفي ، ودغدغ شعرات رأسي ،
ثم أمسك بيدي وصافحني بيده ، وقال كلاماً لطيفاً لم أعد أتذكره من شدّة
الغبطة التي انتابتني .

في ذلك اليوم التاريخي في حياتي ، أذكر
أنني ذهبتُ أطيرُ إلى البيت فَرَحَاً ، وما أنْ وصلتُ والبهجة تعلو
مُحيَّاي ، حتى سألتني أمي بسعادةٍ تغمرها عن سرّ سعادتي .. فقلتُ لها :
ياأمي لقد جاءنا أستاذ وأحببته كثيراً ... ورحتُ أروي لها عمّا حصل ،
فضحكت وقالت : آه ياعين عيني إنتْ ، ألله يا إبني يوفقو لهلأستاذ ، ولك
إبني كيف شكلو منين هوّي ماقلكن ..؟ فقلتُ لها : والله ياأمي مابعرف .. بس
كتير كيّس كتير.. وشعرو حلو ومخوتَم .

وسألتني : ماقلكون شو إسمو ..؟ قلتُ لها : إي والله .. محمد علي صالح .

فقالت
لي : إي والله ياإبني معك حق تحبّو .. هادا قرايبنا يِمْكِنْ من راس
الأسوِد ، إي بحضي إذا كان هَيْ هوّي .. ياما بحبا لأمو ، وهَودِن ناس
أوادم كتير ياإبني .

أجل وكان الأمر كذلك إنه هو ، ورأس الأسود ، هي حارة جميلة بالقرب من قرية سربيون الوادعة المجاورة لنا ، وبعض أهل الرأس نفوسهم مسجلة ضمن نفوس قريتنا – دوير بعبدة – ونكنّ لبعضنا حباً واحتراماً كبيرين .

ويوم
وراء يوم تطورت الحالة بيننا - كتلاميذ - وبين الأستاذ محمد ، فصرنا نحسب
وقت مجيئه على دوام المدرسة ، ونلاقي له على بعد نحو كيلو متر ، لنستقبله
– يومياً – عندما يكون قادماً – مشياً على الأقدام طبعاً – والذي كان
يطمّعنا بهذا الاستقبال والإحتفاء اليومي بالأستاذ محمد ، هوابتسامته
الدائمة التي يلاقينا بها أيضاً ، ومن ثم يتوقف معنا ، ويسلّم علينا يداً
بيد ، واحداً واحداً ، ودون كلل ولاملل ، لابل كان يُشعرنا يومياً بأنّه
سعيد بنا ..
لم نكن نتمنّى أن ينتهي ذلك العام الدراسي الشيّق ،
الذي نقضيه مع الأستاذ محمد حيث يذيقنا طعماً جديداً بديعاً للحياة
المدرسية ، وقد استطاع بهذا الأسلوب الحضاري الرائع واللطيف ، أنْ يدفعنا
أكثر باتجاه الدراسة ، حيث كنّا حريصين جداً على أن نحافظ برموش عيوننا
على صداقته ، وأن لانزعجه أبداً ، ولاسبيل لنا لضمان ذلك سوى أن ندرس
جيداً ونجتهد وننتبه إليه ، وكان له منّا ذلك على ما أعتقد .

لقد
قضينا عاماً ذهبياً معه بكل معنى الكلمة ، ولم يكرّر ، فمع انتهاء العام
الدراسي ، وقدوم آخر ، لم يأتِ الأستاذ محمد ، وسمعنا بعد سنوات أنّه قد
صار ضابط شرطة في الحسكة ، ثم ضابط مرور في حمص ، وتسلّم رئاسة فرع مرور
حمص ، وإلى ذلك لم أره منذ الصف الخامس ، وهاقد بلغتُ من العمر عتيّا ولم
أره بعد ، ومازال يشكل في مخيلتي رمزاً كبيراً للأستاذ الرائع والمربي ،
والقادر على استقطاب تلاميذه ، وإقناعهم بالجد والاجتهاد ، دون استخدام أي
شكلٍ من أشكال العنف ، بل بأرقى وأروع الأساليب ، وكنت أتابع أخباره بمحبة
كبيرة ، وأبعث له تحيات حارّة مع أحد زملائنا الصحفيين في حمص ، وكان يبعث
لي كذلك أيضاً ، ومرة تحدّث معي زميلي - الحمصي - من مكتب الأستاذ محمد ،
أو بالأحرى من مكتب سيادة المقدم محمد ، فسلّمتُ عليه ، وماأن سمعتُ صوته
حتى عادت بي السنون إلى الوراء طويلاً ، إنه هو ذاك الصوت الرائع الذي
انحفر في أخاديد القلب والروح ، وكم كنتُ سعيداً وأنا أسترجع تلك الطفولة
بأيامها التي لم تتكرّر .

بعد ذلك سمعتُ أنه انتقل إلى سلك الأمن
الجنائي ، ليأتي بعد حين رئيساً لفرع الأمن الجنائي في دمشق ، فانتابني
فرح كبير ،فهاهي الأيام تجمعنا في دمشق ، على بعد نحو ثلاثمائة كيلو متر
عن دوير بعبدة ، وقمتُ بزيارته .. وقتما رأيته غمرتني سعادة فائقة ،
ياإلهي .. إنه كما هو .. ياما شاء الله ، هذه ضحكته ، وهذا صوته ، وهذا
شعره المميز الجميل .

في هذه الأيام ، ينتشي سيادة اللواء محمد
علي صالح ، مدير إدارة الأمن الجنائي ، وأستاذي في الصف الخامس ، ينتشي
كثيراً وقتما يراني أزوره إلى مكتبه ، ويبدو سعيداً جداً وهو يخبر ضيوفه
الحاضرين مبتسماً بتلك الابتسامة ذاتها ، قائلاً لهم : هل تُصدّقون أنني
كنت أستاذاً لأخي علي ، وقد علّمته في الصف الخامس . . ؟ ويستطرد ضاحكاً :
ألستُ شاباً أكثر منه ..؟

حقاً .. إنك شابٌّ أكثر مني أيها الأستاذ
العزيز واللواء الغالي ، ولكنك أكبر .. وستبقى أكبر مني ، وتاجاً على رأسي
أنت وكل معلم رائع مثلك في هذا الوطن ، فكل عامٍ وأنت بألف خير .

علي محمود جديد

avatar
نزار

عدد الرسائل : 15
العمر : 37
الموقع : حرف الاسود
تاريخ التسجيل : 21/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى